عبد الوهاب الشعراني

419

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

العقل بأن ذلك كله ليس ببغض لولدها وإنما هو لوفور شفقة والدته عليه ، فليوطن الداعي إلى طريق اللّه عز وجل نفسه على سماع كل مكروه ممن يدعوهم لأنهم عمي عما يدعوهم إليه ثم إذا انجلى حجابهم فسوف يشكرون الداعي لهم إلى الخير ، وإن لم ينجل حجابهم فقد وفي الداعي بما عليه من النصح والجهاد فيهم . ثم لا يخفى أنه لا بد أن ينقسم جماعة كل داع إلى اللّه تعالى كما انقسم من دعاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى دين الإسلام إذ هو الشيخ الحقيقي لجميع الأمة كما مر بيانه أول خطبة الكتاب ، وجميع الدعاة نوابه صلى اللّه عليه وسلم ، فلا بد أن يقع لهم مع أصحابهم كما وقع له صلى اللّه عليه وسلم مع قومه ، فمنهم من يقول : سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ النور : 51 ] ومنهم من يقول : سَمِعْنا وَعَصَيْنا [ البقرة : 93 ] ومنهم من يقول : سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ البقرة : 285 ] نفاقا . ومنهم من يقول إنما يريد هذا الشيخ بدعائنا إلى اللّه الفضل والرياسة علينا عند الناس ، ومنهم من يقول إنما يريد بذلك نصحنا ونجاتنا من النار ، ومنهم من لا يتحول عن محبة شيخه في شدة ولا رخاء ، ومنهم من هو معه على الرخاء فإذا جاءت الشدة تحول عن شيخه ، ومنهم من لا يبرح من حول شيخه ولو أغلظ عليه القول ، ومنهم من إذا أغلظ عليه الشيخ القول هرب منه كما أشار إليه قوله تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] . ومنهم من يريد الدنيا وزينتها وهو غافل عن الآخرة ، ومنهم من يريد الدنيا للآخرة كعبد الرحمن بن عوف ، ومنهم من لا يريد الدنيا كأهل الصفة ، ومنهم من يقول لشيخه قد أكثرت جدالنا وتنقيصنا بين الناس ، كما قال قوم نوح : يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا [ هود : 32 ] . فلا يؤمنون لنصحه حتى يروا العذاب الأليم ، ومنهم من يقول لشيخه بلسان المقال أو الحال لن نؤمن لك إلا إن أريتنا كرامة كما قالت قريش : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] . إلى آخر النسق ، وكما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] . ثم طائفة لا يؤمنون بقول شيخهم لهم إن فعلتم كذا وقع لكم من العقوبة كذا إلا إن وقع ، ومنهم من يفدي شيخه بنفسه في المهالك كما فعل سعد بن أبي وقاص ، ومنهم من لا يقدر على ذلك ، ومنهم من إذا ذكرت عيال شيخه بسوء يكاد يتميز غيظا كما وقع لأكابر الصحابة في قصة عائشة ، ومنهم من لا يتميز بل خاض مع الخائضين ، ومنهم من يمتثل أمر شيخه في السفر في مصالح العباد مثل ما كان أكابر الصحابة يفعلون ، ومنهم من يكره ذلك ويؤثر الدعة والراحة كما وقع لمن تخلف عن غزوة تبوك ، ومنهم من يحب شيخه أكثر من أهله وماله وولده ، ومنهم من يؤثر ماله وولده وأهله في المحبة على شيخه فلو قال له اخرج لفلان عن دينار وإلا هجرتك ومنعتك من مجالستي لاختار عدم دفع